الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
573
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض . قال ابن عباس : ما خلق اللّه ، وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد - صلى اللّه عليه وسلم - ، وما سمعت اللّه أقسم بحياة أحد غيره ، قال اللّه تعالى : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ « 1 » يقول : وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا إنهم لفى سكرتهم يعمهون . رواه ابن جرير . ومراده بقوله : « وما سمعت اللّه » ؛ سمعت كلامه المتلو في الكتب المنزلة . ورواه البغوي في تفسيره بلفظ : وما أقسم اللّه بحياة أحد إلا بحياته ، وما أقسم بحياة أحد غيره ، وذلك يدل على أنه أكرم خلق اللّه على اللّه ، وعلى هذا فيكون قسمه تعالى بحياة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - كلاما معترضا في قصة لوط . قال القرطبي : وإذا أقسم اللّه تعالى بحياة نبيه فإنما أراد بيان التصريح لنا : أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته . وقد قال الإمام أحمد فيمن أقسم بالنبي - صلى اللّه عليه وسلم - ينعقد به يمينه وتجب الكفارة بالحنث ، واحتج بكونه - صلى اللّه عليه وسلم - أحد ركنى الشهادة . وقال ابن خويز منداد : واستدل من جوز الحلف به - صلى اللّه عليه وسلم - بأن أيمان المسلمين جرت من عهده - صلى اللّه عليه وسلم - أن يحلفوا به - صلى اللّه عليه وسلم - حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا خاصم أحدهم صاحبه قال له : احلف لي بحق ما حواه صاحب القبر ، أو بحق صاحب هذا القبر ، أو بحق ساكن هذا القبر ، يعنى النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الحجر : 72 . ( 2 ) قلت : وقد ذكر القرطبي أيضا في موضع آخر عند تفسيره لسورة المائدة ، آية : ( 89 ) ، في معرض رده على من يجوز الحلف بغير اللّه فقال : وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب ، وعمر يحلف بأبيه فناداهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « ألا إن اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت » وهذا حسر في عدم الحلف بكل شيء سوى اللّه تعالى وأسمائه وصفاته كما ذكرنا ، وبما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة - رضى اللّه عنه - ، قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا باللّه إلا وأنتم صادقون » . اه . قلت : ولا يوجد تخصيص لهذا النهى ، إلا ما -